مدة القراءة 5 دقائق


قالت لي إحداهنَّ يومًا: “أنا لا أريد أن أسألَ اللهَ الصبرَ، فأنا لا أريد ابتلاءات، يكفيني ما في حياتي من مصائب.”

كان ذلك قبل ثلاثة أعوامٍ تقريبًا، ولا زلتُ أتعجَّبُ قولَها وأتأمَّله حتى اليوم. فلم تكن شخصًا عاديًّا، وإنما نفسًا مطَّلعةً باحثةً عن الحق!

فكيف لا؟ ولا حياة دون أمل، ولا أمل بلا عمل، ولا عمل… دون صبر!

كيف نفرُّ من شيءٍ خُلقنا من أجله في الأساس، فقال الباري: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، وأقسم أنه ملاقينا لا محالة: “لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ”؟

إن هذه النظرةَ القاصرةَ إلى مفهومِ الصبر، المقرونةَ بكونه صفةً لازمةً للابتلاء والمصيبة – النكبةُ يُنكَبُها الإنسان وإن صغُرَت – لم تَبلغْ فَضلَ الابتلاءِ في تكوينِ النفسِ المؤمنةِ ونموِّها، والارتقاءِ بها إلى مقامِ الاطمئنان.

ولم تتأمل مدى اتساعِ خُلُقِ أيوبَ، وجميلَ صُنعِ يعقوبَ عليهما السلام، فتتبصَّرَ ثناياه في قيم القرآن العظيمة، كالتقوى في قوله تعالى: “فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ”،
والثباتِ على المكاره: “وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ”،
والتضامنِ ووحدةِ الصفِّ في السعي إلى الظفر والغلبة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”،
و”وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”،
والتوكلِ والثقةِ بالله عز وجل: “الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”.


فالصبرُ في سننِ الأولين:

هو منهاجُ المرسلينَ ودستورُهم في المسير إلى النصر والتمكين: “وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا”،

وهو الفرقانُ بين أهلِ الحق والباطل: “وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ”،

والمعينُ على الاستقامةِ في الطريق على الطاعة: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ…”،

والسبيلُ إلى مَعِيَّةِ الإلهِ ورعايته ولُطفِه الخفي: “وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا”، “وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”،

والأنيسُ في الطريق لشهادةِ صدقِ وعدِه: “فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ”.

والصبرُ:

هو شرطُ العزيمة: “وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ”،

وذريعةُ السلامةِ والأمن من كيدِ العادين: “وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا”،

والفصلُ بين حاشيةِ الخسرانِ وخاصَّةِ الفلاحِ من أُهَيْلِ التواصي: “إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”،

ومطيةُ الخيرِ والمغفرة: “وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”،

ومفتاحُ النعيمِ الأبدي: “سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ”…

وأخيرًا، وليس آخرًا:
هو برهانُ الصادقينَ قلبًا ولسانًا: “وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”،
ومُلازِمُ المريدينَ في رحلةِ الارتقاءِ للتخلُّقِ والتحلِّي بأعلى مقاماتِ هذا الدين: “وَاصْبِرْ ۖ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ”،
ومدعاةُ المقربةِ والمحبةِ من رب العالمين: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ”.

أما إذا تأمَّلنا قصةَ موسى مع الخضر عليهما السلام، سنجد أن الصبر لم يُذكر في موضع أكثر من هذه القصة العجيبة الجليلة، التي يعلِّمنا اللهُ فيها سلطانَ هذا الخلق في طريقِ طلبِ العلم، فهو سُلوانُ المتعلِّمِ في العُكوفِ عندَ المستحقين من أهله.

ودون صبرٍ، لا نصيبَ للمجتهدين في طلبِ المعالي، ولا مَلاذَ للمجاهدين بالنفسِ والوقتِ والمالِ في بلوغِ غاياتِهم؛ فهو من صفاتِ المولى عزَّ وجلَّ، وهو اسمٌ من أسمائه، الصَّبورُ، الذي يُناجى به. وهو سُنَّةُ المرسلينَ والأولينَ ومَن تبعهم بإحسان، وخُلقُ ذَوي الهِمَمِ العاليةِ في الطريقِ إلى المجدِ والتمكين.

ومن جوفِ هذه التأملاتِ نجد أنّه: نعم، ربما لم يُسألِ اللهُ الصبرَ إلّا في موضعَيِ الثباتِ على الجهادِ والدِّين، ليكون الجزاءُ عظيمًا بقدْر ما صبرَ قومُه. ولكنَّه – بلا شكّ – لمن تدبَّر تكرارَه في كتابِه العزيز: أمرٌ إلهيٌّ لكلِّ من عزمَ العُلا، وشرى نفسَه – باعَها – ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قاصدًا الفوز في الدنيا والآخرة. وإذا تأملنا قول النبي ﷺ: 

“وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر”، أيقنَّا أن الصبر ليس مجرد خُلق، ولا وسيلةً لأمثلِ صورِ التوازنِ النفسي، كما صنَّفه علماءُ النفس، بل هو عطيةٌ ربانية، لا يُوهبها إلا من اختصَّه الله برحمته. وهو مطلبٌ خفيٌّ للسالكين بطموحٍ إلى أعلى أداءٍ نفسيٍّ، وروحيٍّ، وعقليٍّ، وبدنيٍّ، في كلِّ أمرٍ دنيويٍّ وأُخرويٍّ، حين تلهجُ الألسنةُ بالسؤال بما صحَّ عنه ﷺ:

اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ

المصادر:
1- القرآن الكريم
2- مسند الإمام أحمد
3- صحيح البخاري ومسلم
4- Keshavarzi, Hooman & Yanık, Medaim & Keçeci, Esra & Cinisli, M. Furkan. (2024). A Reclassification of al-Ījī’s Akhlāq al-ʿAḍudiyya into a Model of Traditional Islamic Virtues (TIV). Journal of Muslim Mental Health. 18. 10.3998/jmmh.6028.

One thought on “الصبر في علم النفس: فضيلة أخلاقية أم استراتيجية ذهنية؟

  1. Mohamed Mokhtar says:

    *اذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات*

    حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ كَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ فِي سَفَرٍ فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ
    لِغُلَامِهِ ائْتِنَا بِالسُّفْرَةِ نَعْبَثْ بِهَا فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا وَأَنَا أَخْطِمُهَا وَأَزُمُّهَا غَيْرَ كَلِمَتِي هَذِهِ فَلَا تَحْفَظُوهَا عَلَيَّ وَاحْفَظُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ *سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ “اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ”*

    مسند الإمام أحمد ١٧١١٤

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *